متى تعلمنا العجز

 سجناء بلا قضبان.. متى تعلمنا العجز؟

بقلم دكتور/ فاروق خلاف



        في عالم لا يعترف إلا بالناجحين هناك ملايين البشر يعيشون خلف قضبان نفسية صنعتها تجارب الفشل والإحباطات المتكررة، إنها ظاهرة "العجز المُتَعلَّم"  التي تمثل حالة نفسية يتوقف فيها الفرد عن المحاولة معتقدًا أن جهوده لن تغير من الواقع شيئًا مهما فعل.  

        بدأت ملامح هذا المفهوم في ستينات القرن الماضي على يد عالم النفس الأمريكي "مارتن سليجمان" حين لاحظ أن الكائنات الحية – ومن ضمنها البشر- إذا تعرضت مرارًا للفشل دون أن تملك وسيلة للهرب أو التغيير؛ فإنها تميل لاحقًا إلى الاستسلام حتى في المواقف التي تتيح لها فرصة النجاة.

        في الحياة اليومية يظهر العجز المُتَعلَّم في صور شتى، منها على سبيل المثال لا الحصر:

       طالب يفقد الأمل في تحسين درجاته، موظف لا يبادر خوفًا من الرفض، امرأة تستمر في علاقة مؤذية لأنها تعتقد أن الخروج منها مستحيل، جميعهم سجناء؛ لاعتقاد داخلي: "لا فائدة مهما فعلت".

       الخطير في العجز المُتَعلَّم أنه لا يُرى بالعين لكنه يقتل الطموح، ويخدر الإرادة، ويجعل صاحبه يرفض الفرص قبل أن يختبرها، إنه عدوى نفسية تنتقل من بيئة سامة أو تنشئة صارمة أو تكرار للفشل دون دعم نفسي. 

        لكن النبأ السار أن العجز المُتَعلَّم ليس قدرًا محتومًا، بالإمكان التخلص منه عبر الوعي به أولاً، ثم بإعادة بناء الثقة بالنفس، وتحقيق إنجازات صغيرة تُعيد للفرد شعور التحكم في حياته، الدعم النفسي، والتجارب الإيجابية، والمجتمع المُشجِع، جميعها أدوات فعالة للخروج من هذا القيد العقلي. 

       في زمن تتسارع فيه المتغيرات لا وقت لليأس ولا مكان للانهزام، علينا أن نُعلّم أبناءنا أن الفشل ليس نهاية؛ بل بداية جديدة بثوب أكثر حكمة؛ أن نُخرِج أنفسنا من دائرة الإحباط إلى فضاء المحاولة المستمرة،

فكل إنسان قادر متى آمن بأنه قادر.

تعليقات