حين يصدأ العقل

 تعفّن الدماغ… حين يصدأ العقل وهو يعمل

بقلم دكتور/ فاروق خلاف



          لم يعد الخطر يطرق أبواب عقول طلابنا، بل استقر داخلها بهدوء، خطرٌ لا يُرى بالعين، ولا يُقاس بالأرقام أو المؤشرات، لكنه يتسلل إلى الانتباه فيُضعفه، وإلى الوعي فيُشوّشه، وإلى التحصيل الدراسي فيُفرغه من جوهره، إنه ما يمكن أن نطلق عليه تعبيرَ: "تعفّن الدماغ".

         تعفّن الدماغ ليس مرضًا عضويًا، بل حالة ذهنية تشبه ثمرة تُركت طويلًا تحت ضوءٍ خادع، تبدو ناضجة من الخارج، لكنها من الداخل لينة، فاقدة للطعم والقيمة، عقلٌ يتعرض يوميًا لفيضٍ متواصل من المقاطع السريعة، والمعلومات المبتورة، والإجابات الجاهزة، حتى يفقد قدرته على التركيز العميق، والتفكير المتماسك، والصبر على الفكرة حتى تكتمل.

        الطالب في هذه الحالة يمتلك انتباهًا مثقوبًا، تدخل إليه المعلومة ولا تستقر، يشرع في فهم فكرة ثم يفقدها قبل أن تنضج، ينتقل من موضوع إلى آخر كمن يقفز فوق حجارة متحركة لا تمنحه الثبات، لم يعد الجلوس مع درس واحد أو مسألة واحدة أمرًا يسيرًا، فالعقل اعتاد الإثارة السريعة، وملّ الجهد البطيء.

        ومع الوقت، يتحول الوعي إلى سطح أملس، لا يمسك المعاني، يعرف الطالب المعلومة لكنه لا يستوعبها، يحفظ دون أن يربط، ويكرر دون أن يناقش، تصبح المعرفة أشبه بصور عابرة في شريط سريع تُرى ثم تختفي بلا أثرٍ حقيقي في الفهم أو السلوك.

        أما التحصيل الدراسي، فيظهر بصورة خادعة، درجات قد تتحقق، وامتحانات قد تُجتاز، لكن دون بناء معرفي راسخ، تحصيل بلا روح، وتعليم بلا عمق، وشهادات لا تعكس بالضرورة قدرة على التحليل أو الإبداع أو حل المشكلات، يتحول التعلم من رحلة بناء عقل إلى عملية استهلاك معلومات سريعة الزوال.

        الأخطر في تعفّن الدماغ أنه خطرٌ صامت لا يشتكي منه الطالب، ولا ينتبه إليه المعلّم أو ولي الأمر بسهولة، خطر يتعايش معه الجميع حتى يبدو كأنه أمر طبيعي، ثم نفاجأ بجيل يعرف الكثير من العناوين، ويفهم القليل من المعاني، يحمل أحدث الأجهزة، ويستخدمها بعقلٍ أكثر كسلاً وأقل صبرًا.

         إن مواجهة تعفّن الدماغ لا تعني محاربة التكنولوجيا، بل تعني ترشيد استخدامها، ولا تعني زيادة المناهج، بل إحياء التفكير، ولا تعني تحميل الطالب وحده المسئولية، بل بناء شراكة واعية بين المدرسة والأسرة والمجتمع، فالعقل كالأرض إن لم نزرعه ونسقه بالوعي والانتباه؛ ستغزوه الأعشاب سريعًا، ثم نتساءل متأخرين.. أين الثمر؟

تعليقات